ثمة مشهد كان مألوفاً حتى الرتابة المملة في
العهد الماضي: كلما جاء ضيف بمرتبة وزير الى
قصر بعبدا، اجتمع له رئيس الجمهورية ورئيس
مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وانضم إليهم
وزير الخارجية، تطييبا لخاطر البروتوكول
ومظاهر السيادة. تغير المشهد في بعبدا الأسبوع
الماضي. كان فيه مسرة ما، على رغم وجوم
المرحلة وظلام الأفق. فقد بدت خيوط العودة
الأولى الى أصول الدول وصورة البلدان، وان
القصر الجمهوري عاد دار القمة وان لم يعد بعد
دار الأمة، بسبب ما فينا من فرقة.
ملك الاعتدال ورئيس الممانعين، يعقدان اخطر
محادثات في تاريخ لبنان منذ 1975، مع ميشال
سليمان وعنده. ومن بعبدا يؤكدان ان نداء الحرص
على الدولة من السقوط في هاوية أخرى وهوة
الزوال، يصدر حيث هو رئيسها. كم هو جوهري مظهر
السيادة الوطنية، في بلد فقد جميع المظاهر
والأصول والآداب والأعراف. فإذا العرب يعيدون
تصويب وتصحيح الهيكل المفكك، ويبدأ عهد ميشال
سليمان حقا، ولو في ظروف أليمة ورعب مفتوح.
لقد سئمنا ما تعرض له ميشال سليمان من
استضعاف، وسوء سلوك، وسوء إداري، وسوء خلق.
وفي بلد لا احترام الا للشغب والصخب والغوغاء،
تمادى الغوغائيون كثيرا في معاملة الرئيس
باللغة الهابطة التي صارت قاموس السياسيين
ومرآة نفوسهم. فإذا قمة بعبدا درس آخر
للبنانيين، بان لا بأس بان يحترموا من لا
يرعبهم، وان يوالوا الذين لا يحولونهم الى
فئران خائفة وأبرياء ملاحقين.
طبعا، لم تكن إعادة الاعتبار الى بعبدا،
الناتج الاهم، في هذا المأزق الوجودي، في بلد
لا يخرج من مشكل الا ليدخل في اشكال. لكنها
المرة الاولى التي يحدث اجتماع عربي عملي على
كيان الرئاسة، في بلد يبلَّغ كل يوم ان عليه
الا يكون، وانه غير قابل للحياة، ولا معنى
لوجوده، وان استقلاله اهانة لسيادة الآخرين،
وان وجوده نقض لقانون البقاء والاستمرار.
كانت المسألة الشكلية، لكثرة ما أحاط بها من
اهانات وسلوك الغائي، أمراً بالغ الأهمية، على
رغم ان القضية المطروحة هي في الجوهر لا في
المظهر. فقد أعاد إلينا مجيء الملك عبد الله
بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد الى قصر
بعبدا، شيئاً من كرامة الدول، بالإضافة الى ما
نشر من شعور بالطمأنينة، في بحر الأخطار
واوقيانوس المخاوف.
لقد ابلغ قائدا الدولتين، الأكثر انخراطاً
تاريخياً في قضايا لبنان، اهل لبنان، ان رئيس
الجمهورية هو الرئيس وليس ناظر أعمال وقرارات
الدول العربية. فعلا ذلك وهما يدركان، ان
الكثيرين من اللبنانيين لا يهين عليهم هذا
الشطط، وان بعضهم "يعنّف" ميشال سليمان على
"تدخله" في الانتخابات البلدية في بلدته.
ففيما يحق لسياسي ان يضع يده على كل لبنان،
ولا يحق لرئيس الجمهورية ان يضع قدمه خارج قصر
بعبدا، الذي يعتبره البعض ملكاً ضائعاً.
لا يكف السياسيون الموارنة عن الاضطهاد
الفرويدي الشبقي المزمن، لموقعين: بعبدا
وبكركي. فكل ماروني يريد ان يكون هو الرئيس
وهو البطريرك. وبعضهم يريد ان يكون الاثنين
معاً، باقتناع مطلق ومزدوج، بأنه يملك تفويض
السماء وأحقية الأرض. ومن يعتقد إنني أمازح او
أبالغ فليتفضل ويسمع أخبار المساء، ويقرأ صحف
الصباح.
في جوهرها، وضعت القمة الثلاثية، حدودا
"للمرقعة" في بلد يبدو دوماً، لا حدود له، ولا
حدود فيه، ولا حدود به. وليس هذا من باب تغليب
الألفاظ، فلا وقت لها ولا مكان، فوق هذه
الحافة الشديدة الضيق والمخيفة الانحدار.
وانما نقول ذلك في باب عرض الحال واستعراض
الآلام، المزمن منها والوراثي والآتي مع شتى
أنواع الهواء. فكل قضية في لبنان قضيتان:
داخلية وخارجية. وكل مخرج مخرجان، داخلي
وخارجي. والبلد وحده صغير، اما قضاياه فجميعها
اكبر منه، واعقد، وايبس هشيما.
لذلك اراد فؤاد شهاب، في تجربة قصيرة وبائسة،
ان يعثر على الحل بوضع لبنان في حجمه وإطاره.
ان يكون بلداً للأديان، لا ساحة لها، وان يكون
شاهداً على الايديولوجيات، لا شهيداً لها.
ولكن عبثاً. فعندما غرق اليمن الجنوبي في بحر
من الدماء، كان الرفاق في الحزب الشيوعي
اللبناني يتصرفون في عدن وكأنهم وكلاء
تروتسكي، في عموم بلاد العرب. ودخلوا سجون
البعث في سوريا والعراق، لأنهم كانوا يعتقدون
انهم شركاء في الحكم لا في الحزب. حلم ليلة
صيف كان حلم فؤاد شهاب، الذي دأب على طرح سؤال
واحد على السفراء الأجانب في تقديم أوراق
الاعتماد: كيف هاللبنانيي من صوبكن؟ انشالله
مش عم يعذبوكن؟".
نعود الى التكرار، لم يكن اهم ما في القمة
الثلاثية، اعلان جمهورية ميشال سليمان. الاهم
كان انها وضعت على طاولة التعريب، او شبه
التعريب، قضية لبنانية شائكة تم نقلها الى
مجلس الامن في نيويورك، ثم الى المحكمة
الدولية في هولندا، فور وقوعها. لم تتمهل
الامم المتحدة لحظة في التعامل مع اغتيال
الرئيس رفيق الحريري على انه قضية دولية. لم
يتردد جورج بوش لحظة في سحب سفيره من دمشق.
ولم يتردد وزير خارجية بريطانيا جاك سترو في
الإعلان رسميا "ان ثمة شبهة كبرى بان سوريا
وراء الاغتيال". ولم يتردد المدعي العام
الدولي في توقيف رموز النظام الأمني اللبناني
ومعه قائد الحرس الجمهوري.
كل ذلك تحول مرة واحدة. وخرجت سوريا من الصورة
تماما ليقحم فيها "حزب الله" كما يشاع.
هل يتحمل لبنان دوي التهمة، قبل ان نصل الى
مرحلة المحاكمة العلنية ثم التبرئة او
الادانة؟ الجواب السريع، وقبل التبصر، لا.
والجواب المدروس والمتبصر: ثم لا. ليس فقط لان
توجيه التهمة يضع المقاومة في موقع الخارج من
الصراع مع إسرائيل للدخول في حرب داخلية
سلاحها الاغتيال الفردي، وانما لأن المحكمة قد
تتهم (كل كلام حتى الآن إعلامي غير رسمي) اهم
حزب شيعي في المنطقة، بما فيها احزاب ايران،
بقتل اهم شخصية سنية في لبنان الحديث. ولم يؤد
اغتيال رياض الصلح او رشيد كرامي، كما كتب
انسي الحاج في "الاخبار"، الى تفاعلات شاملة،
لأن القاتل في الحالين لم يكن مذهبياً. ولا
كانت الحالة المذهبية نفسها قائمة في لبنان
آنذاك، وان كانت لها مظاهر في خارجه.
جاء الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد الى
بيروت، بحجميهما السياسي وليس طبعا "بصفة
قانونية".
والصفة الغالبة على عبد الله بن عبد العزيز،
ليس انه ملك السعودية بل انه خادم الحرمين
الشريفين وصاحب مكة. ولا يمكن ان يُقرأ مجيئه
الا على انه، بهذه الصفة، لا يريد نقطة دم
واحدة تضاف الى دماء رفيق الحريري. فدماؤه
ليست على فريق معين، بمقدار ما هم اهل السنة
معنيون في فقدان رجل في مثل هذا الحجم، وفي
مثل تلك الظروف. فإذا اريد من اغتياله الفتنة
وجب ان يكون موته درءا لها. ذلك هو عنوان
القمة غير المكتوب.
هل يمكن تطبيق التقاليد العربية، او نقل
القناعات العربية الى الجانب الدولي من
القضية؟ لا شك في ان دور السعودية في المسألة
لن ينتهي عند القمة الثلاثية. وقد تولت هي من
قبل، حل قضية "لوكربي" بالاشتراك مع نلسون
مانديلا. ولكن ثمة فروقات كبيرة هنا، فالذي
يرفضه "حزب الله" في المطلق وفي المبدأ هو
الاشتباه في اي من افراده وليس التسوية.